علي الهجويري

392

كشف المحجوب

على الكلام وترك التكلم في الحق لا ينافي وجود المعرفة ولكن لا يسمح للإنسان في أي وقت بإلقاء دعوى خلو من الحقيقة لأن ذلك هو النفاق بعينه والادعاءات بدون حقيقة هي نفاق والحقيقة بغير دعوى هي الإخلاص « لأن من أسس بنيانه على بيان استغنى فيما بينه وبين ربه عن اللسان » . إذا العبارة إنما تستعمل في تعريف ما سوى الله لأن الله سبحانه وتعالى ليس في حاجة إلى عبارة تبين أحوالنا وما سوى الله لا يساوون شيئا حتى نشغل أنفسنا بهم وذلك معنى قول الجنيد : « من عرف الله كل لسانه » لأنه ليس بعد العيان بيان والبيان هنا حجاب . يروى أن الشبلي وقف مرة في مجلس الجنيد ونادى بأعلى صوته : « يا مرادي مشيرا بذلك إلى الله سبحانه وتعالى فقال له الجنيد يا أبا بكر إذا كان الله سبحانه وتعالى مرادك فلما ذا تشير إليه باللفظ وهو منزه عن ذلك ، وإذا كان مرادك غير الله سبحانه وتعالى فالله سبحانه وتعالى أعلم به فلما ذا تقول باطلا » فطلب الشبلي المغفرة من الله سبحانه وتعالى على تلفظه بتلك الكلمات . أما من جعلوا الكلام فوق السكوت ، فبرهانهم على ذلك أن الله سبحانه وتعالى أمرنا ببيان أحوالنا لأن الدعوى تقوم بالمعنى لأنه إذا كان الإنسان يكتفى بمعرفة ربه بقلبه ألف سنة ولم يبرهن على معرفته سبحانه وتعالى فحكمه حكم الكافر ما لم يكن سكوته صادرا عن أمر اضطراري وقد أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بحمده والثناء عليه والشكر على نعمائه لقوله تعالى : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ « 1 » وقد وعد أنه يجيب من دعاه لقوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ « 2 » فهذا أحق الربوبية وقال أيضا أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ « 3 » وما يشبه ذلك .

--> ( 1 ) سورة الضحى آية 11 . ( 2 ) سورة غافر آية 6 . ( 3 ) سورة البقرة آية 186 .